محمد محمد أبو موسى
505
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
موقعة على اللباس المستعار فما وجه صحة ايقاعها ؟ قلت : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها ، فيقولون : ذاق فلان البؤس ، والضر ، وأذاقه العذاب ، شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر البشع ، وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشى الانسان والتبس به من بعض الحوادث ، وأما ايقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منها ويلابس ، فكأنه قيل : فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف ، ولهم في نحو هذا طريقان لا بد من الإحاطة بهما ، فان الاستنكار لا يقع الا لمن فقدهما ، أحدهما أن ينظر فيه إلى المستعار له كما نظر اليه هنا ، ونحوه قول كثير : غمر الرّداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه ، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال ، لا صفة الرداء نظرا إلى المستعار له . والثاني أن ينظر فيه إلى المستعار كقوله : ينازعني ردائي عبد عمرو * رويدك يا أخا عمر بن بكر لي الشّطر الذي ملكت يميني * ودونك فاعتجر منه بشطر أراد بردائه سيفه ، ثم قال : فاعتجر منه بشطر ، فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار ، ولو نظر اليه فيما نحن فيه لقيل : فكساهم لباس الجوع والخوف ، ولقال كثير : ضافى الرداء إذا تبسم ضاحكا » « 102 » . وقد اعترض على الزمخشري في بيت كثير ، وذلك لأن الغمر يوصف به الرداء كما يوصف به العطاء مجازا في كليهما وقد أشار
--> ( 102 ) الكشاف ج 2 ص 498 ، 499